التقرير السنوي التاسع- المسئولية الاجتماعية
2011
55.00
يطرح التقرير السنوي التاسع للمنظمات الأهلية العربية، في إطار مقارن "المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص وتفاعلاته مع المجتمع المدني العربي" - في مبادرة هي الأولى من نوعها على الساحة الأكاديمية العربية- وذلك في إحدى عشر دولة عربية هي السودان، المغرب، تونس، لبنان، الأردن، مصر، بالإضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، الإمارات، الكويت، سلطنة عمان، البحرين). والمسئولية الاجتماعية بمفهومها الواسع الذي يتبناه التقرير تعني "المبادرات، والتدابير التي تتخذها أي منظمة أو مؤسسة، تهدف إلى تحسين نوعية حياة البشر، وتخفيف أو إزالة آثار سلبية يحدثها أي قرار أو سياسة Policy تهدد عملية التنمية البشرية المستدامة". ويأتي طرح موضوع المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص في اللحظة التاريخية الراهنة، ملحا لعدة اعتبارات، أولا: الأزمة المالية العالمية التي نشبت عام 2009، وامتدت آثارها إلى الحكومات، والمجتمعات، وكذلك منظمات المجتمع المدني. ثانيا: مرور عشر سنوات على إعلان الأمم المتحدة للأهداف الإنمائية للألفية، والذي تضمن ثمان تحديات رئيسية للتنمية البشرية، تتطلب تكاتف جهود الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لمواجهتها. ثالثا: الاستعداد العالمي لإعلان التوصية رقم 26.000، في مطلع 2011، من جانب منظمة "الأيزو" (منظمة القياسات والمواصفات العالمية)، وهي التوصية المتعلقة بوضع معايير ودلائل استرشادية للمسئولية الاجتماعية. وقد كشفت التقارير الوطنية التي ضمها التقرير عن عدة نتائج مهمة، نشير إليها بإيجاز على النحو التالي: أ- صعوبات وإشكاليات واجهت الدراسة في المنطقة العربية: 1- إن أولى الصعوبات التي واجهت هذا العمل البحثي الجماعي في المنطقة العربية، كانت صعوبة توافر بيانات محددة موثقة يمكن الاعتماد عليها، وقد أدى ذلك إلى إحجام بعض الباحثين، في عدة دول عربية، عن المشاركة في التقرير. 2- صعوبة أخرى بدت واضحة في غالبية التقارير عن الدول العربية (خاصة في دول الخليج العربي)، تمثلت في رفض العديد من الشركات الخاصة والمؤسسات المالية والتجارية، الإفصاح عن الحجم الكلي للتدفقات المالية- في إطار المسئولية الاجتماعية- وعلى وجه الخصوص ما تم تقديمه إلى منظمات المجتمع المدني، في الدول العربية.. 3- تعدد مداخل استجابات القطاع الخاص للمسئولية الاجتماعية في المنطقة العربية إزاء المجتمع المدني تحديدًا. أولها مدخل انسحابي (العزلة) والعمل في إطار محدد ضيق لتحقيق أرباحها، ثانيها مدخل العلاقات العامة حيث يكون الالتزام بمبادئ المسئولية الاجتماعية في حدود "تحسين الصورة" و"التسويق الدعائي". ثالثها مدخل قانوني تلتزم فيه الشركات الخاصة بالحد الأدنى من الخدمات المجتمعية للعاملين وأسرهم، وتفادي الإضرار بالبيئة لعدم التعرض لأي مساءلة قانونية. رابعها مدخل المساومة إزاء الحكومة وإزاء المجتمع المدني. المدخل الأخير هو التكاملي التشاركي، الذي يستند إلى التفاعل مع الأطراف الرئيسية الفاعلة، أي الحكومة من جانب ومنظمات المجتمع المدني من جانب آخر.. وهو المدخل السائد في الدول الغربية، وتواجهنا صعوبات عديدة في الدول العربية لإعلاء هذا المدخل "الأهم" وهو التكاملي التشاركي. 4- إن المدخل التكاملي والتشاركي لتعظيم المسئولية الاجتماعية في المنطقة العربية، له متطلبات أساسية، ولازالت غير مكتملة، أبرزها: - تواجد قطاع خاص قوى. - وعي مجتمعي بمكونات المسئولية الاجتماعية خاصة ما تعلق بحقوق الإنسان، واحترام معايير العمل الدولية، وعدم الإضرار بالبيئة، والشفافية ومحاربة الفساد. - تواجد منظمات قوية للمجتمع المدني، تمارس عملها في مناخ صحي ديمقراطي، وتتسم بالفاعلية. - دولة داعمة مشجعة للمسئولية الاجتماعية، وبيئة تشريعية تيسر الشراكات بين مختلف الفاعلين. - قبول مبادئ المساءلة والمحاسبية من جانب كل الأطراف الفاعلة، وما يرتبط بذلك من التدفق الحر للمعلومات والبيانات، والمكاشفة والإفصاح (الشفافية). ب- نتائج تتعلق بتوافر المعرفة والإدراك للقيمة المضافة للمسئولية الاجتماعية إن هذا الوعي بأهمية المسئولية الاجتماعية كان متفاوتًا بين الدول العربية محل الاهتمام، إلا أنه يمكن الاستناد إلى المؤشرات التالية- بهذا الصدد- والتي كشفت عنها مختلف التقارير: 1- مؤتمرات وورش عمل عربية، متعددة، تضم القطاع الخاص والحكومة أحيانا، وتضم في أحيان أخرى القطاع الأهلي وممثلي المجتمع المدني.. وقد حدث تصاعد في ذلك الاتجاه تدريجيًا منذ مطلع الألفية الثالثة، واستحوذ على اهتمام أكبر في الأعوام الثلاثة الأخيرة. 2- ظهور اهتمام أكاديمي ومسوح ميدانية تسعى إلى تحديد وزن شراكات القطاع الخاص مع الأطراف الفاعلة (الحكومة والمجتمع المدني)، وتفعيل المسئولية الاجتماعية.. 3- كشفت الدراسة أيضًا عن مشاركة عربية فاعلة من جانب غرف التجارة والصناعة في أغلب الدول العربية، في جهود الأيزو (المنظمة العالمية للقياسات والتي كلفتها الأمم المتحدة بعمل مرجعي شامل عن المسئولية الاجتماعية)، نحو إصدار التوصية 26.000. 4- من ناحية أخرى يمكن الاستدلال على تنامي الوعي والمعرفة بالمسئولية الاجتماعية من دراسات ميدانية قامت بها الشبكة مؤخرًا (2010)، أوضحت ارتفاع نسبة إسهام شركات القطاع الخاص في دعم الجمعيات الأهلية، مقارنة بعشر سنوات سابقة. 5- يتضح من التقارير الوطنية حرص الغالبية من الشركات الخاصة والمؤسسات المالية والتجارية على تأسيس مواقع إلكترونية لها، تحدث بصفة دوريات تعلن عن مجالات اهتمامها وأنشطتها، بالإضافة إلى حرصها على إصدار تقارير سنوية عالية الجودة والشمول تتضمن جهودها.. 6- تبني بعض الدول العربية لمبادرات شاملة وطنية للتنمية البشرية (حالة المملكة المغربية، ولبنان نماذج مهمة) تحدد في إطار استراتيجي- الشراكة والتكامل بين القطاع الخاص والقطاع الأهلي والحكومة.. جـ- نتائج تتعلق بمؤسسية العمل استنادًا إلى المسئولية الاجتماعية إن هذا البعد في مناقشة مختلف تقارير المسئولية الاجتماعية (في مصر، لبنان، الأردن، تونس، المغرب، دول الخليج العربي، والسودان)، يسعى إلى الكشف عن النتائج التي تتعلق بمؤسسية العمل.. وذلك على النحو التالي: 1. يتوافر في أغلب الدول العربية، ما يعرف "بالمبادرات الوطنية للمسئولية الاجتماعية"، والتي تؤكد على المسئولية المجتمعية للقطاع الخاص. 2. الميل نحو تأسيس إدارات متخصصة للمسئولية الاجتماعية، في بعض شركات القطاع الخاص والمؤسسات المالية والتجارية الكبرى. 3. إن توافر هذه الإدارات المتخصصة لبرامج المسئولية الاجتماعية يرتبط إلى حد كبير، بتواجد رؤية وخطة واضحة لبرامج المسئولية الاجتماعية، والأولويات التي ينبغي التوجه إليها.. 4. كشفت القراءة النقدية للتقارير عن اتجاهات عامة في نتائج تقارير الدول العربية، وهو توجه شركات القطاع الخاص والمؤسسات المالية والتجارية الكبرى، نحو إنشاء مؤسسات Foundations للعمل على "ترجمة" قناعتها بالمسئولية الاجتماعية إلى واقع، وقد تؤسس جمعيات أهلية، تعتبرها ذراعها في تقديم الخدمات الاجتماعية. ولكن يبدو لنا من مختلف النماذج لمبادرات المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص، والتي اتخذت النهج المؤسسي المستقل (من خلال مؤسسات وجمعيات) أن هناك عدة ملامح مشتركة لها، أبرزها: - أن الشركات العاملة في مجال الاتصال والهواتف المحمولة، كان لها مبادرات قوية في كل الدول العربية تقريبًا، مع الأخذ في الاعتبار أن بعضها شركات خاصة متعددة الجنسية. - هناك تحالفات وشراكات بين بعض الجمعيات الأهلية- خاصة التنموية- والشركات الكبرى الربحية، والتي تعتمد على الجمعيات الأهلية، كوسيط بينها وبين الفئات المستفيدة. - الاتجاه العام هو تركيز نشاط برامج المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص، في العواصم والمدن (وقد يكون ذلك لتحسين الصورة والتسويق والإعلام). - كل من السودان وتونس والمغرب، جمع بينهم اهتمام ملحوظ بالريف (سواء لتطوير التكنولوجيا في حالة تونس أو للنهوض بالصناعات الصغيرة البيئية في حالة المغرب أو لمواجهة الوضع السياسي والفقر في حالة السودان). وكذلك بدأ في مصر نشاط ملحوظ للاهتمام بالريف. - إن أكبر تركز للمؤسسات الخاصة غير الربحية والتي تحمل أسماء رجال أعمال، كانت في دول الخليج العربي، وفي مصر ولبنان. - توجه البنوك التجارية الخاصة نحو برامج كبرى للمسئولية الاجتماعية ارتبط بشكل أساسي بالألفية الثالثة، بل أن بعض البنوك التجارية التابعة للدولة (مثل بنك مصر) انخرطت هي الأخرى في برامج للمسئولية الاجتماعية، من خلال مؤسسة تحمل اسمها (مؤسسة بنك مصر للعمل الاجتماعي). د- النتائج التي تتعلق بأولويات القضايا موضع اهتمام المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص 1- لقد أبرزت التقارير الوطنية حول المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص، أن الجمعيات الأهلية أو ما نتوافق حوله بمنظمات المجتمع المدني، كانت الآلية الرئيسية التي اعتمدت عليها عملية تنفيذ برامج المسئولية الاجتماعية، وعلى وجه الخصوص حين تكون هذه المنظمات التطوعية نشطة في المجتمعات المحلية، وتتواصل مع القواعد الشعبية. 2- يحتل مجال مكافحة الفقر الأولوية على وجه العموم، في الدول العربية، وتفاوتت الاقترابات من بلد إلى آخر، ومن نشاط إلى آخر. 3- المجال المهم الذي برز على جدول الأولويات هو مجال البيئة، والتي تعتبر مكونا رئيسيًا في مفهوم المسئولية الاجتماعية، في سياق طرحه العالمي الذي تحدثنا عنه من قبل.. 4- النهوض بتكنولوجيا المعلومات كان المجال الحيوي لنشاط الغالبية العظمى من شركات الاتصال والهواتف المحمولة، في كل الدول العربية.. 5- تأتي بعد ذلك حملات التثقيف والتوعية وحماية المستهلك، ثم دعم الثقافة والفنون، والبحث العلمي (الذي يأتي في النهاية).. 6- من المهم في إطار التعرف على أولويات اهتمام برامج المسئولية الاجتماعية، الإشارة إلى تصاعد الاهتمام بالشباب، وكذلك تصاعد اهتمام هذه البرامج في مختلف الدول العربية بالنساء الفقيرات المعيلات لأسر. 7- نشير أيضا إلى ملمح جديد لبرامج المسئولية الاجتماعية لتشجيع العمل التطوعي بين الشباب، وبرزت على الأقل في نموذج واحد، في كل دولة عربية. 8- وأخيرًا، من المهم الإشارة إلى بعض برامج المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص، التي ارتبطت باحتياجات وطنية محددة، من ذلك: - برامج للمسئولية الاجتماعية في دول الخليج العربي تهتم بالإغاثة الإسلامية (20% منها)، وتتوجه خارج أو داخل المنطقة العربية. - برامج تتوجه نحو مناطق النزاع ودعم السلام في السودان وبرنامج متميز حديث يستهدف دارفور. - برامج متميزة في تونس تركز على الريف وقطاع الفلاحين بشكل محدد. - برامج تركز على توفير القدرات التنافسية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر. - برامج (السعودية، مصر..) تستهدف تنظيم وتعبئة طاقات الشباب نحو العمل التطوعي. مما سبق، يمكن أن نستخلص في النهاية نتائج مهمة تتعلق بالمسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص في المنطقة العربية، وتفاعلاته مع القطاع الأهلي.. أولها: هناك تطور ملموس لمسار المسئولية الاجتماعية، تفاعل مع المتغيرات العالمية والإقليمية والتحديات الإنمائية للألفية الثالثة. ثانيها: تزايد تدريجي في شراكات المجتمع المدني مع القطاع الخاص وإدراك الطرف الأخير أن الجمعيات الأهلية، آلية رئيسية للنفاذ إلى القواعد الشعبية. ثالثها: أن هناك عدة تحديات أو إشكاليات تواجه تفعيل وتعظيم مردود برامج المسئولية المجتمعية، منها محدودية التوثيق وتوافر البحوث، غياب بحوث ودراسات تقييم المردود على المستويات الوطنية، قلة الكوادر البشرية المؤهلة في بعض الدول العربية، إمكانات محدودة للمساءلة والمحاسبة، وقصور الشفافية. رابعها: هناك على الجانب الآخر ملامح ايجابية تبشر بدور واعد لبرامج المسئولية الاجتماعية، أبرزها توجيه الاهتمام نحو الشباب، والنزوع لدعم وتعميق القدرات التنافسية، والتوجه التنموي بدلاً من الخيري (أو في خطين متوازين)، تصاعد الاهتمام بتكنولوجيا المعلومات، والبيئة ، والنساء، وتواجد مؤشرات للتعاون والتنسيق بين برامج المسئولية الاجتماعية وأصحاب المبادرات من جانب وبينهم وبين الجمعيات الأهلية من جانب آخر. خامسها: من المهم تبنى خطة استراتيجية لتفاعيل العلاقة بين برامج المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، بهدف تحقيق تكامل ومردود أفضل للتنمية البشرية. باحثين التقرير التاسع السودان د . عبد الرحيم بلال الأردن أ .هانى الحورانى تونس أ. محمد الهدار المغرب د. محمد الغياط لبنان أ . صونيا نكد مصر أ. هدى البكر منطقة الخليج العربى د. امانى قنديل
completely free